عبدالرحمن الجوهري
عماد المجتمعات الناوية خلودا، وبقاء مشرفا: المعرفة. وعماد المعرفة: شعوب متعلمة قارئة مثقفة في عالم يوجد فيه إحصاء: أربعة بلايين إنسان مثقف، مع اختلافنا حول مفهوم الإنسان المثقف أصلا.
نصيب العالم العربي من هذا العالم، كبير، إن على مستوى الكم، وإن على مستوى الكيف. إن في سجل النجاحات، وإن في ميادين الفشل. إن في التشريف، وإن في الخيبة. وهو بهذا يملك زمام نهوض، وطريق صعود جيد، إذ النجاحات تحفزه، والخيبات تقرعه، فيندفع صعدا في طريق قويم.
ينبغي أن ندرك بداهة، أن نقصان وعي أمة ما، هو ما يقود بنيها لعالم الجنح والطيش، وما يعرضهم لأبسط وأسذج أنواع الاختراقات الخارجية. وأن مقدار ما تملكه أمة من المعرفة، هو صمام أمانها، ومصل وقاية ضد أوبئة الطغيان والاستعمار والتخريب. وبهذا لم تعد المعرفة ترفا، تفيض به رسائل الغرباء، ونشتري به كتب المؤلفين السائرين بكل واد يتبعهم جماهير الأكثر مبيعا / معيبا، والأغلفة الوسيمة كوجوه ناشريها.
يجب أن يكون في حسبان القارئين هنا، وأخص منهم الذين لا «يقرؤون»، كونهم من يقبضون زمام أمور الثقافة غالبا، وذلك ليس تجاهلا لدور الثقافة معاذ الله، قدر ما هو لانشغالهم بمؤتمرات التعريب والتغريب والتشريق والتشريع وما بينهما، يجب أن يكون في حسبان هؤلاء، أن الأمة التي بدأت مشروعها بكلمة «اقرأ» أضحت، أو أمست ــ كونه يلائم سواد الحال ــ أمة تحوز قريبا من 100 مليون إنسان لا يقرؤون، وأكثرهم كما تقول إحصائيات «الآخر»: أميون أبجديون، أي لا يملكون حتى فك الحرف، ولا معرفة الرقم.
الإناث كالعادة، في جوانب الإحصائيات السلبية في بلادي، يحزن الرقم الأكثر، حد الضعفين. وهذا ناتج لتهميش مورِس طويلا، ووأشك أن يرحل، ولكن بأمية أخرى، أشد فتكا، وأكثر هؤلاء، واقرؤوا عن الأمية المقنعة إن كنتم لا تعلمون. أمية الجيل الناشئ على غير لغته، المعتمد على غير معرفته، المحتاج لغيره، حين تسوية أوضاعه، ومصائر عيشه.
إن بلدانا لا نعرفها إلا في استقدام السائقين والخادمات، كسريلاناكا والفلبين، تتفوق على البلدان العربية التي تنظر إليها دونا، بل وتكاد تتغلب عليها بأكملها، في مجال محو الأمية. وإننا حين نطرح مفهوم القراءة الأولية، يعني أننا لم نتهور حد أن نطالبهم بتنويع قراءاتهم، وتكثيفها، وتشجيعها. نحن نتحدث عن أمية مقفرة أبجدية أولا.
إن السؤال الكارثي يقول: إذا لم نستطع تعليم القراءة الأولية البسيطة لهذه الشعوب، إذن ما الذي يصنعه ساسة الثقافة، وكبار رجالات المدينة في مجال المعرفة والتعليم من عهود طويلة.
والقضية الأخرى التي لا تقل روعة وترويعا، قضية الأمية الوعيية الثقافية. لا على مستوى العامة البسطاء، ولا الدهماء الجائلين في شوارع الوطن وجنباته، قدر ما هي بالنسبة لكبار من يتزعمون مراصده الثقافية، وأنديته المعرفية، ووسائله الإعلامية. والمنتج الأول لهذا: محسوبيات، وشلل، وصداقات تجعل من كل حامل قلم أنيق، عقادا ورافعيا ونجيب محفوظ جديد. وانظروا إلى الصحافة لتروا هل يمسك بزواياها الأربع مثقفون حقيقيون في الأغلب.
ونتساءل: هل حقا أضحت سجالات المثقفين، وتبعات التأدلج مشغلة للنخبة عن طرح مسألة بحجم شوكة إقفار الأمة على مستوى الأبجدية. على فتح رفوف الكتب المغبرة وإنزالها، على تعرية لبوس الجهل الباذخة وتمزيقها، على تبيين هذا المشكل، وتوضيحه، وتشريع سبل مكافحته، في عالم ينوي بحلول 2015 أن يكون بلغ مناه في ذروة مكافحة الأمية. إن ما يحدث من أرباب هذه السجالات، يوحي بأمور ليس من خارجها، إنهم لازالوا في شخصانيتهم يعمهون.